فخر الدين الرازي
96
تفسير الرازي
أما القسم الأول : فهو المراد بقوله : * ( خذ العفو ) * ويدخل فيه ترك التشدد في كل ما يتعلق بالحقوق المالية ؛ ويدخل فيه أيضاً التخلق مع الناس بالخلق الطيب ، وترك الغلظة والفظاظة كما قال تعالى : * ( ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ) * ( آل عمران : 159 ) ومن هذا الباب أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بالرفق واللطف ، كما قال تعالى : * ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) * ( النحل : 125 ) . وأما القسم الثاني : وهو الذي لا يجوز دخول المساهلة والمسامحة فيه ، فالحكم فيه أن يأمر بالمعروف ، والعروف ، والعارفة ، والمعروف هو كل أمر عرف أنه لا بد من الإتيان به ، وأن وجوده خير من عدمه ، وذلك لأن في هذا القسم لو اقتصر على الأخذ بالعفو ولم يأمر بالعرف ولم يكشف عن حقيقة الحال ، لكان ذلك سعياً في تغيير الدين وإبطال الحق وأنه لا يجوز ، ثم إنه إذا أمر بالعرف ورغب فيه ونهى عن المنكر ونفر عنه ، فربما أقدم بعض الجاهلين على السفاهة والإيذاء فلهذا السبب قال تعالى في آخر الآية : * ( وأعرض عن الجاهلين ) * وقال في آية أخرى : * ( وإذا مروا باللغو مروا كراماً ) * ( الفرقان : 72 ) وقال : * ( والذين هم عن اللغو معرضون ) * ( المؤمنون : 3 ) وقال في صفة أهل الجنة : * ( لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً ) * ( الواقعة : 25 ) وإذا أحاط عقلك بهذا التقسيم ، علمت أن هذه الآية مشتملة على مكارم الأخلاق فيما يتعلق بمعاملة الإنسان مع الغير . قال عكرمة : لما نزلت هذه الآية قال عليه السلام : " يا جبريل ما هذا ؟ قال يا محمد إن ربك يقول هو أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك " قال أهل العلم : تفسير جبريل مطابق للفظ الآية لأنك لو وصلت من قطعك ، فقد عفوت عنه ، وإذا آتيت من حرمك فقد آتيت بالمعروف ، وإذا عفوت عمن ظلمك فقد أعرضت عن الجاهلين ، وقال جعفر الصادق رضي الله عنه : وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية ، وللمفسرين في تفسير هذه الآية طريق آخر فقالوا : * ( خذ العفو وأمر بالعرف ) * أي ما عفا لك من أموالهم ، أي ما أتوك به عفواً فخذه ، ولا تسأل عما وراء ذلك . قالوا : كان هذا قبل فريضة الصدقة فلما نزلت آية وجوب الزكاة صارت هذه الآية منسوخة إلا قوله : * ( وأمر بالعرف ) * أي بإظهار الدين الحق ، وتقرير دلائله * ( وأعرض عن الجاهلين ) * أي المشركين قالوا : وهذا منسوخ بآية السيف فعلى هذه الطريقة جميع الآية منسوخة إلا قوله : * ( وأمر بالعرف ) * . واعلم أن تخصيص قوله : * ( خذ العفو ) * بما ذكره تقييد للمطلق من غير دليل ، وأيضاً فهذا الكلام إذا حملناه على أداء الزكاة لم يكن إيجاب الزكاة بالمقادير المخصوصة منافياً لذلك ، لأن آخذ الزكاة مأمور بأن لا يأخذ كرائم أموال الناس ولا يشدد الأمر على المزكى فلم يكن إيجاب الزكاة سبباً لصيرورة هذه الآية منسوخة .